رواية إنفصام | الجزء الثالث
أشلوك
اليوم وقد كبرنا, كبرت معنا ماسينا وهمومنا. فلم نعد نتوق الى مجابتها ولا الخوض فيها, ليس لعدم استطاعة, بل لفقدان اﻷمل في أن تأول الأمور الى نصابها. ربما أصبت وربما أخطأت في تقديري لما يجري حولي, من يهتم فبعد لحظات سننطلق مجددا الى المجهول أنا وهذا اﻷحمق الذي بجانبي. لربما تسألتم كيف لانسي وجني أن يلتقيا ؟ حسنا ربما أجيبكم لاحقا, للكن أهم شيء عليكم معرفته أنني وهذا الأخرق أقرب مايكون الى الاخوة كنت حاضرا في حياته أكثر مما يعلم , وأعلم عنه ما يجهله عن نفسه, وارتأيت أن نخوض هذه التجربة ونجول في أرض الله لعله يستفيق من ضياعه و يعود الى رشده, فقد اشتقت اليه أكثر من أي شخص أخر. مازلت أتذكر أولى لحظات حياته. اللحظات الأولى بعد الولادة, كان كالملاك الصغير, حتى أنني وددت حينها أن أحمله بين يدي وأهرب به من عيون البشر, للكن الحاجز الذي كان بيني وبينهكان قلب أمه. كيف لأم أن تضع رضيعها وعندما تستفيق من فقدان الوعي لا تجده, فبربكم كيف سيكون حالها؟ . لذا اكتفيت بالنظر اليه فقط. بعدها بلحظات جائتني صفعة من حيث لم أحتسب, انها جدتي وقد كانت تقول لي دائما أن أترك هذا البيت ومن يسكنونه في حالهم وألا أعرج اليه مجددا, فبيننا وبينهم ميثاق الا يؤدى أحد من الجنسين. وجدتي كانت تخاف أن نكون نحن من يخلف الوعد فتكون العواقب وخيمة علينا. نحن أيضا لدينا مجلس محاكمات, ولا أحد يود الذهاب اليها أبدا. خاصة عشيرة العفاريت, فنحن ذو هيبة بين بني جنسنا ونحن الأقوى . ان وعدنا وفينا, وان قلنا فعلنا, وان ظلمنا اقتص منا. لهذا كانت جدتي تخاف علي, فعشيرتي كانت لتقتص مني ان أديت هذا البشري, وما كانوا ليترددوا ولو للحظة . يوما بعد يوم, أراقبهه من بعيد. ومرات أدفعه برفق كي أرى هل سيفقد توازنه أم سيظل ثابتا, ومرات أمسك به عندما يوشك على السقوط , ليس دائما للكن في الحالات الخطرة فقط. كنت أحب قضاء الوقت معه, مرت اﻷيام بسرعة, فأخد جسمه بالتشكل وعضلاته تكبر, وكلما كبر زاد صفاءا. حتى أنني حين غفلة من الجميع طبعت رمزا في كتفه, كان فقط لأميزه من بين أقرانه بعد أن أعود. فأنا أيضا مقبل على السفر الى أرض أخرى من أجل التعليم وكسب مهارات القتال فأبي هو قائد جيوش العفاريت, وبما أنني ابنه البكر وجب علي اتباع خطواته, حتى أنصب قائدا بعدما أنهي تخرجي, هكذا نحن في العشيرة, فالقيادة تجري مجرى الدم فينا. بعد ثلاث سنوات مما تعدون أنتم البشر, رجعت بعد أن قضيت خمسة عشر سنة في الخدمة العسكر ية. فرق كبير بين توقييتنا وتوقيتكم. لا يهم, بعد أن رجعت وجدت أن عمره أصبح أربعة أعوام. لما رأيته اندهشت كيف يعقل أنني في عقدي الثاني وهو مايزال صغيرا ؟ مادفعني الى البحث لعلي أجد الجواب. وهذا ما وجدته: هناك فجوة زمنية بيننا وبينكم, مثلا ان أمضيت سنة في عالمكم كأنني أمضيت خمس سنوات في عالمنا. لهذا فنحن نتفادى البقاء طو يلا في عالمكم. حتى لا ينال منا الزمان فجأة. مازلت أتذكر ما فعله في أحد اﻷيام عندما أحيط بأربع شبان أكبر منه سنا, بعدما أخدوا منهكرته وبدأوا بضربه بها . هذا يركلها اليه لتصطدم به وتسقطه أرضا. العجب أن عينيه لم تذرف ولو دمعة واحدة, فكان كلما أسقطوه قام وقاوم للحصول على كرته. تركته لبرهة حتىى أرى ما بحوزته أو كيف سيتصرف؟ عندها أخد حجرا متوسط الحجم ليلقيه على أحد أولئك الحمقى فكاد أن يفقأ عينه. ليأتي اليه الثاني فصفعه صفعة هزت جسمه الصغير, وبركلة في بطنه أسقطته أرضا, بدأت عيناه تلمعان بشدةكأن حر يقا اشتعل بداخله. كان يوجه نظره اتجاهي وينتظر أن أمد له يد العون كأنه يراني ,فلما استيأس مني , وعلم أنه لوحده هذه المرة. ابتعد لمسافة قريبة, وبدأ برشق الحجارة على أولئك الشبان. فحصرهم في زاو ية لا مفر منها. الغريب كأن الحجارة يلقيها شخص بالغ, بل أشخاص فقد كانت تصب عليهم كالمطر لا يعلمون من أين تأتي. بينما كنت أحاول استيعاب ما يحصل, سقطت واحدة بجانبي, ورأيته ينظر الي بنظرات المتحدي, فلما تجاهلت نظراته انهالت علي سيل من الحجارة أنا الأخر. انها تصيبن وأحس بألمها. للكن مهلا هل يستطيع رؤيتي ؟ كيف لحجارة من عالمكم أن تؤديني؟ هذا يحصل فقط عندما يكون الشخص نصف بشر ونصف جني. لا أعلم كيف حصل هذا للكنه الشيء الوحيد الذي لدي والاجابة المتاحة حاليا. فطالما قرأت عن مثل هؤلا للكني لم أظن يوما أنني سألتقي بأحدهم , وبالخصوص هذا اﻷخرق. مرت أيام وأيام وكنت أراقبه من بعيد, حتى أصبحت أنا المراقب. فكان يستغل لحظة التفافي ورائي لأرى هل جدتي قادمة, وعندما التفت اليه أجده واقفا أمام وجهي. أقسم أنهكان يترك بيني وبينه مسافة شبر واحد. لم يكن هذا محظ صدفة. لا أبدا فقد حدث ما هو أكبر من هذا . فذات يوم كنت أراقبه وهو نائم حتى غلبني التعب وأرجعت رأسي للوراء وأغ مضت عيني وفجأة سكب علي كأس ماء. كان لا يتحدث الي بل يكتفي بالاعيبه معي
